عرض مشاركة واحدة
بياناتي
 رقم المشاركة : ( 3 )
seifellah
طالب علم
رقم العضوية : 28895
تاريخ التسجيل : Sep 2013
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,956
عدد النقاط : 35

seifellah غير متواجد حالياً

افتراضي رد: أبناء يعذبون آباءهم

كُتب : [ 13-09-2014 - 13:21 ]


ضرب والدته ... فشلّت يمينه


كان وحيد والديه إلا أنه كان سليط اللسان بذيء الكلام، فكان يوجه سبابه وشتائمه إلى والديه دون مراعاة لما حث عليه الدين الحنيف من طاعة الوالدين واحترامهما والسمع والطاعة لهما وعدم إيذائهما حتى ولو بأقل الكلام، ولكن هذا العاق كان شديدًا على والديه، وبعد وفاة والده ازدادت قسوته على أمه، وكانت أمه المسكينة من حبها له وخوفها عليه دائمة النصح له بأن يبتعد عن رفاق السوء الذين كانوا السبب في ابتعاده عن الدين والأخلاق الحميدة، وسببًا في تخلفه الدراسي وانحرافه، إلا أن هذا الشقي لم يكن ليسمع كلامها؛ بل يرد عليها بأرذل الألفاظ وكان يقسو عليها حتى نفد صبرها فهددته بأن تخبر أحد أخواله كي يؤدبه، ولكن هذا العاق الشقي سب خاله وتحدى أن يفعل له شيئًا فلقد بلغ الرابعة والعشرين من عمره فلا يستطيع أي من كان أن يفعل له أي شيء فهو يستطيع أن يدافع عن نفسه، وأخذ يتطاول على أمه بالكلام القبيح والألفاظ البذيئة.


وزادت ثورته وسيطر عليه الغضب وأخذ إبليس بناصيته ففقد أعصابه والتقط الحذاء وقذف به أمه فأصابها في ظهرها وخرج غير نادم على فعلته الخسيسة، وأخذت الأم المسكينة تبكي وتندب حظها، ومن شدة حزنها وحرقة قلبها دعت عليه وهي تبكي وتنتحب، وفي الليل عاد الشقي بعد أن قضى معظم الوقت مع أصدقاء السوء وألقى بجسده على الفراش وغط في النوم.


وفي الصباح استيقظ وكانت المفاجأة أنه لا يستطيع أن يحرك يده اليمنى... يده التي قذف بها الحذاء تجاه أمه... لا تتحرك! لقد شلت يده، أغلق عليه الباب وأخذ يبكي من هو ما أصابه وجُرم ما ارتكبه في حق والدته، ورق قلب الأم المسكينة لما أصاب فلذة كبدها ولكن لا تستطيع أن تفعل له شيئًا؛ فأخذت تدعو الله عز وجل أن يشفيه وهي تبكي وتنتحب.


كيف طاوعت له نفسه أن يقذف أمه بالحذاء!! إن الإنسان السوي لا يجرؤ أن يقذف حيوانًا أليفًا خوفًا من الله ورحمة بهذا الحيوان.


إن الله عز وجل حذرنا من أن نقول «أُف» أمام الوالدين وأن لا نتفوه أمامهما إلا بالكريم من القول، فكيف بمن يتطاول على أمه التي لها المنزلة الأولى بأن يقذفها بالحذاء! ماذا بقي بعد من ديننا وأخلاقنا([1])!



إن ربك بالمرصاد

لم يدر بخلده في يوم من الأيام، أن يرى نفسه حبيسًا بين فراشه وكرسيه المتحرك، وألفاظ ابنه القاسية تسد مسامعه ليل نهار، فقد كان في كل لحظة من لحظات حياته القاسية، يتذكر والده الذي مات في يوم من الأيام من جراء قسوته عليه، وعاش قبلها سنوات طويلة يعاني من عقوقه، يكاد لسانه لا يفتر عن الدعاء بالرحمة لوالده، والدعاء بالهداية لابنه، وبين ذا وذاك كان يتفكر في حكمة رب العالمين، ويمعن التفكير أكثر في ما فعله في السابق بوالده، وفي ما يفعله به ابنه الآن.


في بداية شبابه، كانت الغشاوة كثيفة أمام عينيه، ونسي واجباته أمام الله تعالى، ومن ثم تجاه والده، نسي أن رضا الله سبحانه وتعالى يستلزم رضا والده عنه.


عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رضا الله في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد». [حديث صحيح].


حرص في تلك الفترة السوداء من حياته على رفقة سيئة، وعاقر الخمر، وكان يبحث عن المال بشتى الطرق والأساليب، وعندما يعجز عن الحصول عليه كان يطلبه من والده، ووالده يرفض إعطاءه المال ليس بخلاً، وإنما للحد من فعل المحرمات؛ لأنه كان يعرف أن ابنه يستخدم هذا المال للحرام فقط، وفي لحظة جنونية، تطاول الكلام بينه وبين والده، وتعالت الأصوات، أوعز إليه الشيطان بضرب والده، نعم ضرب والده، ومن هول المفاجأة لم يصد الوالد اعتداء ابنه عليه، ففرح ظنًا منه بضعف والده، فمد يده بكل قسوة إلى محفظته، وأخذ المال الذي يحتاجه لشراء الخمر.


كان متزوجًا ولديه ابن وابنة، وكانت زوجته تتجرع المر من تصرفاته، فقد كانت تعيش في بيت والده، وفي ذلك اليوم الذي اعتدى فيه على والده بالضرب، خرج مسرعًا ليتمتع بهذه الغنيمة التي حصل عليها عنوةً، وكان نصيب والده أزمة صحية مفاجئة نُقل على إثرها للمستشفى، ذهب تلك الليلة إلى رفاق السوء، وقد أماتت الخمر ما تبقى لديه من مشاعر إنسانية، شرب حتى ثقل رأسه، فلم يعد يميز ولا يعي ما حوله، استأذن من رفاقه، وسار متثاقلاً نحو سيارته، وسار بها دون تركيز، وفي تلك اللحظة كان والده يلفظ أنفاسه الأخيرة في المستشفى، وتمايلت به سيارته واصطدمت بأحد أعمدة النور، نُقل بعدها إلى المستشفى، ولم يَعِ إلا بعد أيام، وقد خمدت أطرافه السفلية إلى الأبد، وصار مقعدًا يتنقل من هنا وهناك بحسرة وصعوبة، وملامحه المنكسرة توحي بمرارة الندم من الماضي الأليم.


ضاقت زوجته ذرعًا من حالته، وهجرته بعد شهور، اصطحبت معها ولديها في البداية، ولكنها عندما تزوجت أعادتهم للعيش معه في بيت والده، وكانت والدته تقوم برعاية الجميع، ومرت الأيام سريعة، لتنتقل والدته إلى رحمة الله، وتتزوج ابنته، ويبقى ابنه أمام ناظريه، يسلب منه المال عنوة، ويذهب ليسهر مع رفاقه إلى الفجر، ومن ثم يعود مترنحًا مع بداية يوم جديد، كان ينصحه نصائح متذبذبة، ويرى فيه صورته السابقة، ويرى في عقوقه له عقوقه السابق لوالده.


عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والرجلة» [رواه النسائي والحاكم]([2]).

الجزاء من جنس العمل

حدث أحد الشباب برواية هي أعجب من العجب لكل ابن لا يفي بحق والده ولكل والدين لا يجدون من أبنائهم إلا عقوقًا... قال: «لا أعرف من أين أبدأ رواية مأساتي التي أعانيها الآن... وعمري يقارب السبعين عامًا؟! هل يعيد الزمان نفسه معي فتدور الدائرة عليَّ لأشرب من نفس الكأس التي أذقتها لوالدتي من قبل خلال فترة شبابي؟! وحتى تفهموا قصة ما أعانيه أعود بكم خمسين عامًا إلى الوراء... وقتها كنت شابًا في حوالي العشرين من عمري حيث فجعت بموت والدي التاجر الكبير... ولما كنت ابنه الوحيد فقد وضعت يدي على كل ما يمتلكه من نقود ذهبية وثلاثة محلات تجارية مليئة بأفخر أنواع الأثاث.


ووافقتني والدتي – رحمها الله – على ذلك لأنها كانت غير راغبة في شيء من حطام الدنيا سوى ما يقيم صلبها من طعام وشراب... وعشت مع والدتي ردحًا من الزمان حتى اختارت لي زوجة من قريباتي لمست فيها الطيبة وحسن الخلق. لكن يبدو أن والدتي – رحمها الله – لم تكن تدري لطيبتها المفرطة بذلك المكر والدهاء المتمثلين في قلب تلك الزوجة... فما أن وضعت ابني الأول حتى طالبتني بشراء منزل خاص لنا بعيدًا عن والدتي بحجة أنها تريد الاستقلال بحياتها لتحس بأنها سيدة المنزل!


حاولت الاعتراض في البداية... لكن تحت إلحاحها بادعاء أن والدتي تتدخل في شؤونها الخاصة وافقت على بناء دار جديدة لنا تبعد عدة أميال عن منزل والدتي... ولم أستجب وقتها لتوسلات والدتي العجوز التي كانت في حاجة لمن يرعاها, أو يتولى شؤونها بالاستمرار معها في المنزل وانسقت وراء رغبة زوجتي في الاستقلال بمنزلها!


وكنت أتوجه لزيارة والدتي في بداية انفصالي بالمنزل الجديد بشكل أسبوعي لشراء احتياجاتها من الطعام والشراب... لكن تحت ضغط زوجتي وإلحاحها بدأت أقلل من زياراتي لوالدتي لتصبح بشكل شهري نظرًا لبعد المسافة بين منزلينا في ظل عدم وجود وسائل سريعة للمواصلات حيث كنا نستعمل الجمال والدواب.


أصاب والدتي المرض... وعندما عرضت على زوجتي ضرورة عودتنا للحياة معها مرة أخرى لإعداد طعامها والإشراف على تطبيبها رفضت بحجة أنها ليست خادمة لوالدتي أو لغيرها, وهكذا لم أستجب لتوسلات أمي بالبقاء إلى جوارها... مكتفيًا بتوصية جيرانها على الاهتمام بحالها... وفي أحد الأيام بلغني خبر وفاتها من أحد هؤلاء الجيران.


ومضت الأيام والسنون فنسيت واقعة أمي وواصلت الحياة السعيدة مع زوجتي وولدي... وبعد وفاة أم أولادي منذ عامين أحسست بأنني مفرد وحيد.


فاتحت ولدي الاثنين في أمر الزواج من امرأة أخرى فلم يوافقا وعندما رفضت رأيهما عازمًا على الزواج فوجئت بمعاملتهما تتغير تجاهي بشكل لم أتخيله. نسيت أن أذكر أنني وكلت أولادي في مسؤولية كل شيء أمتلكه لاقتناعي بأن الموت لا مفر منه وسوف يرثون ما أملك يومًا ما... فلا مانع من تكليفهما بإدارة المؤسسة التي أمتلكها في حياتي وعندما لاحظت هذا التغيير في المعاملة منهما هددتهما بإلغاء الوكالة المقدمة، ففوجئت بأن معاملتهما ازدادت سوءًا لدرجة أنهما أصبحا يقاطعاني ولا يرسلون لي مبالغ مالية تكفي لإعالتي كما كان يفعلان من قبل.


وكلما أتذكر ما كنتُ أفعله مع والدتي من قبل تتساقط الدموع من عيني على تكرار نفس المأساة في حياتي التي فعلتها من قبل مع والدتي – رحمها الله – وأخشى أن أموت مثل أمي – دون أن يكون أحد أولادي إلى جواري... وما أرجوه الآن أن تتسع رحمة الله -عز وجل- لتشملني وتغفر خطيئتي فلا أموت وحيدًا منعزلاً كما حدث مع والدتي...»([3]).

قاتل أبيه

نشأ يتيمًا، فقد مات أبوه وهو في الثانية عشرة من عمره، فكفلته أمه التي كانت تعمل في بيوت الجيران، لتأتي له بفضلات الطعام مساء يسد بها رمقه، وبالثياب القديمة ليواري بها عورته، وبالدراهم القليلة لتؤدي منها أمه أجرة غرفتها التي استأجرتها في دار قديمة، أكل عليها الدهر وشرب.


وأنهك أمه العمل في بيوت الجيران، فسقطت مريضة بالتدرن الرئوي، ولما لم تجد من يطعمها ويرعاها، لجأت إلى المستشفى الحكومي، حيث وجدت ما تأكله ومن يرعاها من الممرضات، ولكنها لم تتحمل وطأة المرض الذي هد بدنها، ووطأة الحزن الممض على ولدها الصغير الذي بقي وحيدًا في غرفتها، فأصبحت الأم تعاني مرضين: مرضًا يحطم جسدها الضعيف، ومرضًا يحطم نفسيتها المعذبة.


وذهبت الأم إلى جوار ربها، وبقي الولد إنسانًا بلا غد.


وترك الولد مدرسته؛ لأنه اضطر إلى العمل في البناء عاملاً بسيطًا بأجر زهيد، وبالتدريج تدرب على البناء، فأصبح بعد مضي السنين من الذين يتقنون حرفة البناء، فتحسنت حالته الاقتصادية، وأصبح يعيش عيشًا رضيًا.
وقرر في يوم من الأيام أن يكمل نصف دينه بالزواج، فتقدم إلى أستاذه في حرفة البناء طالبًا يد ابنته، فوافق الأب، وزفت العروس إلى بعلها.


وتعاقبت السنون، فأصبح صاحب دار مستأجرة, وزوجة أولاد، ومعروفًا بإتقانه حرفته، وأمانته في عمله، وإخلاصه بأداء واجبه.


وتكاثرت عليه الزبائن، فكان يعمل في الأسبوع سبعة أيام، لا يكاد يرتاح يومًا من الأيام، أو ساعة من الساعات، وكان عليه أن يعمل يوميًا لينفق أجره اليومي على عائلته التي أصبحت تزداد كل عامين تقريبًا بمولود جديد.
وحرص على تعليم أولاده، وكان يقول لزوجه وأولاده: تعبت في حياتي كثيرًا، وأتمنى أن ترتاحوا في حياتي وبعد رحيلي بإذن الله.


وتخرج ولده البكر في الجامعة، فأصبح موظفًا في الدولة، وكان الأب قد قارب الخمسين من عمره، وكان لا يزال يعمل في حرفته، وكانت شهرته قد ازدادت بقدر ازدياد ضعف بدنه وازدياد علله وأمراضه.


وتزوج ولده من زميلته الجامعية، التي اشترطت عليه أن يغادر بيت أبيه وأمه، وأن يستأجر دارًا مناسبة ويشتري سيارة جديدة، وأن يجهز داره بالأثاث الفاخر، والفراش الوثير، والثلاجة المبردة، والغسالة الكهربائية.


وانصاع الولد لأوامر زوجه، فهي جامعية من عائلة غنية معروفة، فلا بد من أن ينفذ أوامرها بدون مناقشة ولا اعتراض.


وأصبح الولد ينوء بأعباء ديون ضخمة، وعليه أن يدفع أجرة الدار وتكاليف الماء والكهرباء والهاتف وأجرة الفلاح، فارتبكت أموره المالية، فكان لا بد من إجراء يخفف عنه ما ينوء به من أعباء.


وكان والده يتمنى أن يعينه في سدَّ بعض أقساط ديونه المستحقة عليه ولكنه كان مسؤولاً عن إدارة بيته وأولاده الذين لا يزالون في المدارس والجامعات، فعجز عن معاونة ولده بالمال، ولكنه كان يحمل هموم ولده مرتين: مرة لشعوره الأبوي، ومرة لعجزه عن المعاونة.


أما زوجته الجامعية، فكان مرتبها لا يكاد يسد نفقاتها الشخصية: ملابس، وأدوات للتجميل، وقبولات، وزيارات، وحفلات ترفيهية، فكانت تستعين بزوجها في سد نفقاتها الكبيرة، بحجة الظهور بمظهر لائق بزوجة جامعية مثقفة.


وكان الولد قد استملك قطعة من الأرض بثمن رمزي من جمعية بناء المساكن في الوزارة التي يعمل فيها موظفًا.


وتبرع له والده ببناء دار له، وتكفل بدفع ثمن مواد البناء ونفقات العمل، وبدأ بالبناء، وارتفع البنيان شيئًا فشيئًا، حتى فرغ من بناء الدار خلال عامين.


وكان شرط الوالد على ابنه، أن يشاركه في سكنى الدار الجديدة، خاصة أن أولاده وبناته أكملوا دراستهم، فتوظف البنون وتزوجت البنات، ولم يبق في الدار المستأجرة غيره وغير زوجه.


وفجأة توفيت أم الأولاد، فأصبح والده وحيدًا.


وانتقل الولد إلى داره الجديدة، وانتقل معه والده الذي كان قد بلغ الستين من عمره، وانتابته العلل والأسقام، وأصبح لا يقوى على مزاولة حرفته في البناء.


وبدأت مشاكل الولد مع أبيه العجوز العاطل عن العمل، وأخذت تلك المشاكل تتفاقم يومًا بعد يوم، حتى أصبحت الحياة البيتية لا تطاق.


فقد كانت زوجة الولد تتبرم بوجود أبيه معهما في الدار، فتزعم تارة بأنه يتدخل في شؤونها الخاصة، وتزعم تارة أنها لا تقوى على خدمته، وتتهمه مرة بأنه يشيع الفوضى في الدار، وينقل الأمراض إلى أولادها، وتتهمه مرة أخرى بأنه لا يعرف متطلبات الذوق السليم ولا يلتزم بالعرف السائد في المجتمعات الراقية.


وأخيرًا انفجرت كالبركان الثائر وهي تقول لزوجها: إما أن يبقى والدك في الدار، وإما أن أبقى أنا، فاختر بقائي أو بقاءه.


أنجز الوالد بناء دار ولده خلال سنتين، وكان بإمكانه إنجازها خلال شهرين.


لقد كان يعمل في دور الزبائن يوميًا، فإذا انتهى موعد عمله، استراح قليلاً ثم باشر عمله ثانية في عمل إضافي جديد هو ومن يتطوع للعمل الإضافي من العمال الآخرين الذين يعملون معه، وكان هدفه من هذا العمل الدائب اليومي هو جمع المال لبناء دار ولده، فقد تعهد أن يبني دار ولده على نفقته الخاصة.


فإذا جاء يوم الجمعة من كل أسبوع، بكر في الذهاب إلى عمله في بناء دار ولده، ومعه عماله الذين يعملون معه في البناء.


وكان عمله يوم الجمعة يبدأ مبكرًا وينتهي في الهزيع الأول من الليل، وكان أكثر عماله يتنازلون عن أجورهم اليومية إكرامًا له؛ لأنه رئيسهم في العلم، وأستاذهم في المهنة، ووالدهم في التدريب على مهنتهم في البناء.
وقد كان الوالد يصاب بالزكام أو الصداع في الشتاء، فلا يعفي نفسه من عمله اليومي ليستريح.


وكان الوالد خلال عمله في دار ولده يقتر على أهله في الدار، لينفق على شراء مواد البناء من حصيلة أجوره الأسبوعية، وكان يستفيد من فضلات مواد البناء التي تتبقي في أبنية زبائنه التي يقدمونها له بدون عوض إكرامًا له وتقديرًا.


على كل حال، استطاع الوالد أن يبني دار ولده بعرق جبينه وعلى حساب صحته وعافيته ومأكله وملبسه هو ومن يعول.


ولكنه ما كاد يستقر في الدار الجديدة مريضًا، حتى بدأت مشاكله مع زوجة ولده، التي تصر على أن يصفو لها الجو وحدها في الدار، لتأخذ حريتها كاملة وتتصرف في الدار وخارجها كما تشاء.


كان طعامه في دار ولده من فضلات الطعام، وكان يتناول تلك الفضلات وحده على انفراد، بعد أن يتناول ولده وزوجه وأولادهما الطعام.


ومنذ دخل الدار، لم تغسل ثيابه في الدار، بل تغسل في خارجها بيد امرأة عجوز تتكسب من غسيل ثياب وألبسة الجيران.


أما فراشه، فبقي على وضعه منذ دخل الدار، لم يبدل منه شيء، ولم يسوَّ أو يعدل أبدًا، ولم ينظف ولم تنظف الغرفة التي يعيش فيها الوالد المريض.


وكان ولده لا يراه إلا في وقت حمل فضلات الطعام إليه، فتبقى فضلة تلك الفضلات إلى أن يعود إليه بفضلات جديدة صباحًا أو ظهرًا أو مساءً. وإذا حدث أن اشتهى الوالد نوعًا من أنواع الأطعمة، أجابه ولده زاجرًا: هذا هو الطعام المتيسر، وهنا ليس مطعمًا لتشتهي ما تريد!


وإذا اجتاحه المرض واشتدت آلامه، وسأل ولده أن يحمله إلى طبيب أو يستدعي طبيبًا، أجابه ناهرًا: وماذا عسى أن يصنع لك الطبيب؟!


أما زوجة ولده، فلا تدخل غرفته ولا تزوره مريضًا، ولا تكلمه أبدًا، وتمنع أطفالها من زيارته أو عيادته وحتى من دخول غرفته.


ودخل الولد غرفة والده ليطرده من الدار، إرضاء لزوجه وحرصًا على عدم تنفيذ وعيدها بمغادرة الدار.


كان ذلك في الساعة الرابعة عصرًا في يوم مطير شديد البرد من أيام الشتاء.


وكان الوالد الشيخ المريض، قد اشتد عليه المرض، ينتابه السعال القاسي، ويكتم أنفاسه مرض الربو، وهو مصاب بالسكر وارتفاع الضغط والزكام.


ولم يكلم الولد أباه، بل انحنى على فراشه القذر الممزق ولف والده به، ثم سحب الفراش المهلل سحبًا، فلما بكى والده، وهو يسحب من غرفته إلى الشارع، انهال عليه ولده ضربًا ورفسًا.


واستقر الفراش وعليه الوالد الشيخ المريض في الشارع، والبرد شديد والمطر ينهمر.


وعاد الولد إلى الدار، وأغلق بابه، ولجأ إلى المدفأة كأنه أحرز انتصارًا في معركة حاسمة، وزوجه تبتسم له مشجعة معجبة ببطولة زوجها، فقدمت له الشاي هدية على إيثاره لها على والده.


وتجمع المارة حول الفراش المبلل بالمطر الغزير، فلما فتحوه وجدوا الرجل قد فارق الحياة.


وجاءت مفرزة من مفارز الشرطة، فوجدوا الدم المتدفق من فم المتوفى ورأسه قد لطخ الأسمال البالية التي تسمى مجازًا: الفراش.


وأحيل الولد إلى المحاكم بتهمة قتل أبيه، فحكم عليه بالسجن المؤبد وعادت الزوجة الجامعية إلى أهلها ومعها أولادها، وبقيت الدار خالية من السكان.


وعرضت الدار للإيجار دون جدوى.
وقضى الولد في السجن خمس عشرة سنة، تزوره زوجته مرة أو مرتين كل عام.
وصدر العفو عن المسجونين في مناسبة من المناسبات السياسية، فأخبر مدير السجن الزوجة بأن زوجها المحكوم عليه بالسجن المؤبد، سيغادر السجن صباح اليوم التالي.


وقدمت زوجه برفقة ولدها الذي أصبح موظفًا إلى السجن، وكان ولدها يقود سيارته.


وجاءت الزوج مع ابنها الموظف بسيارته، فلمح الولد أباه يغادر باب السجن، ولمح الوالد زوجه وابنه.


وأسرع الوالد للقاء زوجه وولده، وأسرع الولد بسيارته نحو والده.
وبحركة لا إرادية، اصطدمت سيارة الولد بالوالد صدمة عنيفة، فسقط الوالد أرضًا.


وارتبك الولد، فضغط على مكبس الوقود بدلاً من الضغط على كابحة السيارة لإيقافها؛ فهاجت السيارة وعبرت على جسد الوالد.


وترجل الولد من سيارته، فوجد والده يلفظ أنفاسه الأخيرة، والدم يتدفق من فم والده ورأسه.


قتل والده فتدفق الدم من فمه ورأسه، وقتله ولده فتدفق الدم من فمه ورأسه.


وأطلق سراحه من سجنه المؤبد سلطان الأرض، فأعاده إلى السجن المؤبد في القبر سلطان السماء والأرض.


أما زوجه الجامعية فأصبحت أرملة إلى حين وهو سجين وأصبحت أرملة من بعده إلى الأبد.


وأما داره فخلت من سكانها انتظارًا لإطلاق سراحه، وهي إلى اليوم خالية لم يقدم أحد على سكناها من أهلها أو من المستأجرين.


لا يقدم على إشغالها غير أصحابها، لأنهم يقولون: هي شؤم على من يسكنها، ومضى عليها عشرون سنة، وهي خاوية على عروشها، لا تباع ولا تؤجر! وقد أصبحت خرابًا لا يدخلها أحد ولا يعمرها إنسان.


لقد أصبحت تلك الدار مقرًا للبوم، ينعق بها، كأنه يذكر الجيران بأنين الوالد القتيل.
فويل لمن يقابل والديه بالعقوق([4]).


([1]) كما تدين تدان ص (166، 167).

([2]) أبناؤنا بين البر والعقوق: هيا الرشيد ص(24-27).

([3]) شباب ومواقف. عادل العبد العالي ص(17-20).

([4]) تدابير القدر: محمود شيت خطاب ص(39-45).



رد مع إقتباس