الموضوع: من الطارق؟
عرض مشاركة واحدة
بياناتي
 رقم المشاركة : ( 2 )
seifellah
طالب علم
رقم العضوية : 28895
تاريخ التسجيل : Sep 2013
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,956
عدد النقاط : 35

seifellah غير متواجد حالياً

افتراضي رد: من الطارق؟

كُتب : [ 28-02-2015 - 22:44 ]


وقال تعالى: }وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ{([1]) من الدخول بالإِذن وغير الإِذن([2]) وهو وعيد شديد للمخاطبين بأنه عالم بما يأتون وما يذرون مما خوطبوا به فموفٍ جزاءه عليه([3]).


أما البيوت غير المسكونة: فيها فقد قال الله عنها: }لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ{ أي: حرج وإثم }أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ{([4]) المراد بها: الخانات وما بني للسابلة أو جميع البيوت التي ليس لها ساكن؛ لأن الاستئذان إنما ورد لئلا يطلع على العورات, فإذا أمن ذلك جاز الدخول بغير إذن([5]).


فهذه الآية الكريمة أخص من التي قبلها، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد، إذا كان له فيها متاع، بغير إذن؛ كالبيت المعد للضيف إذا أذن له فيه أول مرة كفى([6]).


وقوله تعالى }أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ{ هذا من احترازات القرآن لعجيبة, فإن قوله }لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ{ لفظ عام في كل بيت ليس ملكًا للإنسان, أخرج منه تعالى البيوت التي ليست ملكه، وفيها متاع، وليس فيها ساكن فأسقط الحرج في الدخول إليها([7]).


قال تعالى: }وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ{[المائدة: 99] وعيد لمن يدخل مدخلاً من هذه المداخل لفساد أو اطلاع عورات([8]).


فإذا ثبت أن الإِذن شرط في دخول المنزل، فإنه يجوز من الصغير والكبير وكان أنس بن مالك رضي الله عنه دون البلوغ يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصحابة مع أبنائهم وغلمانهم رضوان الله عليهم([9]).


ويلزم الرجل أن يستأذن على أمهوأخته وبنيه وبناته البالغين، لأنه إن دخل على من ذكر بغير استئذان, فقد تقع عينه على عورات من ذكر لا يحل له وقد كان ابن عمر رضي الله عنه إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلا بإذن.


وجاء رجل إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: ما على كل أحيانها تحب أن تراها([10]).


وسأل رجل حذيفة استأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره([11]).


وقال عطاء: سألت ابن عباس رضي الله عنهما استأذن على أختي؟ قال نعم، فأعدت عليه فقلت: أختان في حجري، وأنا أُموِّنهما، وأنفق عليهما، أستأذن عليهما؟ قال: «نعم، أتحب أن تراهما عريانتين؟!»([12]).


ويستحب للمستأذن الإِتيان بشيء من تحريك نعل أو نحنحة أو صوت, وذلك لئلا يرى أمرًا يكرهه الداخل، أو أهل المنزل، ولأنه ربما أفضى إلى الشحناء بين الأهل؛ لأنه قد يرى من عوراتهم ما لا يحب، فإذا حرك نعله أو تنحنح أو أظهر حسه انتفى ذلك ولا يختص ذلك بدخوله على الأجانب([13]).


أما الزوج فإنه لا يجب عليه الاستئذان على زوجته، والأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها، وقد روت زوجة عبد الله بن مسعود أنه إذا جاء من حاجة, فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منَّا على أمر يكرهه([14]).


وإذا لم يكن مع الرجل في بيته إلا امرأته, فإن الأظهر أنه لا يستأذن عليها وذلك يفهم من ظاهر قوله تعالى }لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ{ ولأنه لا حشمة بين الرجل وامرأته ويجوز بينهما من الأحوال والملابسات ما لا يجوز لأحد غيرهما, ولو كان أبًا أو أمًا أو ابنًا كما لا يخفى ويدل له الأثر عن موسى بن طلحة: أنه دخل مع أبيه طلحة على أمه فزجره طلحة عن أن يدخل على أمه بغير إذن مع أن طلحة زوجها بغير إذن, وهذا يفيد ما سبق الإشارة إليه؛ من أنه لا يستأذن الرجل على امرأته إذا لم يكن في البيت إلا هي, ويفيد أنه إذا وجد في البيت أولاد فإن الأولى في حق ألأب أن يستأذن على امرأته؛ لأن عدم الاستئذان قد يفضي إلى تساهل الزوجة فربما جرَّ ذلك إلى دخول أطفالها من بنين وبنات على حالة لا ترضى أن يراها عليها أولادها ظنًا منها أن الذي فتح الباب من غير طرق زوجها، وكذلك فإن في استئذان الزوج على زوجته تعليماً للأولاد أدب الاستئذان على الوالدين؛ فالأب هو القدوة والمعلم في البيت.


أما إذا كان الزوج مسافرًا سفرًا بعيدًا كره له أن يأتي ليلاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتي أهله طروقًا.


وفي رواية: «نهى أن يطرق أهله ليلاً»([15]) يتخونهم أو يطلب عثراتهم، يقال لكل من أتاك ليلاً طارق، ومنه قوله تعالى: }وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ{[الطارق] يعني: النجم؛ لأنه يطرق بطلوعه ليلاً ([16]).


وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غدوةً أو عشيةً([17]).


وجاء ذكر السبب في هذا النهي من حديث جابر في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: «حتى تمتشطَ الشعثة، وتستحدَّ المعينة» وقوله في الحديث «تستحد» أي: تصلح من شأن نفسها والاستحداد مشتق من الحديد وهو إزالة الشهر بالموس([18]).



وقوله في الحديث: «المعينة» يعني ذات العانة، يقال استعان الرجل يعني حلق عانته واستعمل الاستحداد على طريق الكناية والتورية، والمراد كي تمتشط وتهيئ حالها وتزيل الشعر الذي تعافه النفوس وهو شعر العانة([19]).


فالإنسان إذا غاب عن أهله وطالت غيبته فلا يطرقهم ليلاً؛ أي: لا يأتيهم في الليل إلا لحاجة أو إعلان؛ الحاجة: مثل أن يحصل عليه في السفر مشقة لو انتظر إلى الصباح مثلاً.. وكذلك إذا كان قد أعلمهم أنه سيقدم عليهم الليلة الفلانية؛ فلا بأس أن يقدم عليهم ليلاً.. أما إذا لم يطل السفر، كسفر يوم أو يومين أو ما أشبه ذلك، فلا حرج عليه أن يقدم إلى أهله متى شاء، والحاصل أنه إذا أطال الغيبة فلا يقدم على أهله ليلاً إلا لحاجة أو إعلام فلا بأس ([20]).


وقوله تعالى:}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ{([21]) يعني العبيد والإماء }وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ{ من الأحرار؛ ليس المراد منهم الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل الذين عرفوا النساء ولكن لم يبلغوا([22]).


}ثَلَاثَ مَرَّاتٍ{ثلاث أوقات في اليوم والليلة، وعبر بالمرات عن الأوقات لأن أصل وجوب الاستئذان هو سبب مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا نفس الأوقات ([23]).


وقوله تعالى: }مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ{ فهذه الأوقات الثلاثة التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها وملازمة التعري فما قبل الفجر وقت انتهاء النوم ووقت الخروج من الثياب ولبس ثياب النهار، ووقت القائلة وقت التجرد أيضًا وهي الظهيرة؛ لأن النهار يظهر فيها إذا علا شعاعه واشتد حره، وبعد صلاة العشاء وقت التعري للنوم؛ فالتكشف غالب في هذه الأوقات([24]).


وقوله تعالى: }عَوْرَاتٍ لَكُمْ{ سميت هذه الأوقات عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فتبدو عورته([25]).


وقوله تعالى: }لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ{: أي ليس على المماليك ولا على الصبيان جناح: أي إثم في الدخول بغير استئذان؛ لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر والاطلاع على العورات.. ومعنى }بَعْدَهُنَّ{: بعد كل واحدة من هذه العورات الثلاث وهي الأوقات المتخللة بين كل اثنين منها.. وإنما أباح سبحانه الدخول في غير تلك الأوقات الثلاثة بغير استئذان لأنها كانت العادة أنهم لا يكشفون عوراتهم في غيرها([26]).


وقوله تعالى: }طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ{: معنى هم طوافون }طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ{ أي يطوفون عليكم وتطوفون عليهم.. فمنع في الثلاث عورات من دخولهم علينا: لأن حقيقة العورة كل شيء لا مانع دونه، ومنه قوله: }إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ{[الأحزاب: 13]([27]).


وقوله تعالى: }وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ{ أي حد البلوغ بالاحتلام، أو بالسن الذي هو مظنة الاحتلام([28]).


فبين سبحانه ها هنا حكم الأطفال الأحرار إذا بلغوا الحلم بعدما بين فيما مر حكم الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم في أنه لا جناح عليهم في ترك الاستئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة فقال: }فَلْيَسْتَأْذِنُوا{ يعني: الذين بلغوا الحلم إذا دخلوا عليكم }كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ{ والكاف نعت مصدر محذوف: أي استئذانًا كما استأذن الذين من قبلهم، والموصول عبارة عن الذين قيل لهم :لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأذنوا الآية والمعنى: إن هؤلاء الذين بلغوا الحلم يستأذنوك في جميع الأوقات كما استئذن من قبلكم من الكبار الذين أمروا بالاستئذان من غير استثناء ([29]).


ولم يقل الله عن الأطفال في الآية السابقة: (فليستأذنوكم) وإنما قال: }فَلْيَسْتَأْذِنُوا{ وقال في الآية الني قبلها: }لِيَسْتَأْذِنْكُمُ{ لأن الأطفال غير مخاطبين ولا متعبدين([30]).


وفي قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ{ فوائد منها: أن السيد وولي الصغير مخاطبان بتعليم عبيدهم ومن تحت ولايتهم من الأولاد العلم والآداب الشرعية؛ لأن الله وجَّه الخطاب إليهم بقوله: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ...{ الآية, فلا يمكن ذلك إلا بالتعليم والتأديب، ولقوله: }لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ{[النور: 58]([31]).


فالأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا في العورات الثلاث, فإذا اعتاد الأطفال ذلك خرجوا عن حد الطفولة بأن يحتلموا أو يبلغوا السن التي يحكم فيها عليهم بالبلوغ, فيجب عندئذ أن يفطموا عن تلك العادة، وأن يحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات؛ كما يستأذن الرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليهم إلا بإذن([32]).




* * * *

([1])النور: 28.

([2])البغوي (6/60).

([3])تفسير النسفي للآية من سورة النور.

([4])النور: 29.

([5])غذاء الألباب (1/237).

([6])تفسير ابن كثير.

([7])تفسير السعدي، (5/408).

([8])الكلام لأبي السعود من تفسير القاسمي (5/298).

([9])تفسير القرطبي، (12/224).

([10])رواه البخاري في الأدب المفرد (1059) وقال الألباني: صحيح الإسناد.

([11])رواه البخاري في الأدب المفرد (1060) وقال الألباني: حسن الإسناد.

([12])رواه البخاري في الأدب المفرد (1063) وقال الألباني: صحيح الإسناد.

([13]) غذاء الألباب، (1/243).

([14]) صحح إسناده ابن كثير.

([15])البخاري، (9/296 و 297)، ومسلم (3/1528) رقم حديث الباب (184)، وأخرجه أبو داود، (2776 و 2777 و 2778)، والترمذي (2713).

([16])غذاء الألباب، (1/240).

([17])رواه البخاري، (3/493)، ومسلم (1928).
الغدوة: أول النهار. والعشية: آخره.

([18])غذاء الألباب، (1/240).

([19])غذاء الألباب (1/243).

([20])شرح رياض الصالحين، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، باب استحباب القدوم على أهله نهارًا، باختصار وتصرف يسير.

([21])النور: (58).

([22])تفسير البغوي، (6/60).

([23])فتح القدير للشوكاني (4/50).

([24])تفسير القرطبي، (12/303).

([25])تفسير البغوي، (6/61).

([26])فتح القدير، 1/51، 52.

([27])تفسير القرطبي، (12/304 و 305).

([28])تفسير القاسمي، (5/326).

([29])فتح القدير للشوكاني (4/52).

([30])تفسير القرطبي، (12/443).

([31])تفسير السعدي (5/326).

([32])تفسير القاسمي، (5/326) بتصرف يسير.

توقيع : seifellah


ولدتك أمـك بـاكيـاً مسـتصرخا *** والنـاس حولـك يضحـكـون سـرورا
فاحرص لنفسـك أن تكون اذا بكوا *** في يوم موتك ضاحكاً مسـروراً

رد مع إقتباس