عرض مشاركة واحدة
بياناتي
 رقم المشاركة : ( 8 )
seifellah
طالب علم
رقم العضوية : 28895
تاريخ التسجيل : Sep 2013
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,956
عدد النقاط : 35

seifellah غير متواجد حالياً

افتراضي رد: أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه) مناقبه وخلافته

كُتب : [ 21-01-2016 - 20:28 ]


تنبيه:



قد شاع في بعض الكتب نسبة قول لبعض المحدثين بعدم صحة الحديث في فضائل معاوية، فهذا غير دقيق؛ لأن لعلماء الحديث اصطلاحًا قديمًا في تقسيم الحديث إلى صحيح وضعيف فقط، فالصحيح عندهم هو ما ثبت عدالة رواته وتمام ضبطهم واتصال السند، فلا يدخل فيه إلا قسم الصحيح لذاته عند المتأخرين، وما سوى ذلك يسمونه ضعيفًا باعتبار السند، فيدخل فيه الصحيح لغيره والحسن لذاته والحسن لغيره، فهذه من قسم الضعيف المنجبر بعضها أقوى من بعض، ويدخل فيه الضعيف غير المنجبر([1]).



ولهذا أمثلة كثيرة لأحاديث ضعفها الحفاظ ويعملون بها من باب القبول، ومن هذا الباب قول الإمام البخاري أنه لم يجد في فضائل معاوية شيئًا، فقد أجاب عنها ابن حجر بقوله: إن كان المراد أنه لم يصح منها شيء وفق شرطه – أي شرط البخاري – فأكثر الصحابة كذلك، ولكنه أخرج في صحيحه وتاريخه أحاديث صحيحة في فضائل معاوية رضي الله عنه.



إذا تقرر هذا ففضائل معاوية رضي الله عنه كثيرة مما صح فيه خاصة وما ورد من نصوص في فضل عموم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى:]وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[[الحديد: 10].


قال ابن كثير: أي: لا يستوي هذا ومن لم يفعل كفعله، وذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديدًا، فلم يكن يؤمن حينئذ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح فإنه قد ظهر الإسلام ظهورًا عظيمًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا؛ ولهذا قال:]أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى[ والجمهور على أن المراد بالفتح هاهنا فتح مكة، وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح هاهنا: صلح الحديبية، وقوله:]وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى[يعني المنفقين قبل الفتح وبعده، كلهم لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء، كما قال:]لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلًا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا[[النساء: 95]. وإنما نبه بهذا لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون الآخر، فيتوهم متوهم ذمه؛ فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه، مع تفضيل الأول عليه؛ ولهذا قال: ]وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[ أي: فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذلك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام، وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق، وفي الحديث: «سبق درهم مائة ألف»([2]) ولا شك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر، رضي الله عنه، له الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله تعالى، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها. اهـ.


قال القرطبي: «قوله تعالى: ]وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى[أي المتقدمون المتناهون السابقة، والمتأخرون اللاحقون، وعدهم الله جميعًا الجنة مع تفاوت الدرجات» ا.هـ.


وقال الطاهر بن عاشور: «وقوله:]وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى[ احتراس من أن يتوهم متوهم أن اسم التفضيل مسلوب المفاضلة للمبالغة مثل ما في قول:]قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ[ [يوسف: 33]، أي حبيب إلي دون ما يدعونني إليه من المعصية، وعبر بالحسنى لبيان أن الدرجة هي درجة الحسنى ليكون للاحتراس معنى زائد على التأكيد وهو ما فيه من البيان» ا.هـ.


وقال تعالى: ]وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ {74} وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[ [الأنفال: 74-75]. وقال تعالى: ]لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {88} أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[ [التوبة: 88-89].


قال الإمام الطحاوي في (عقيدة أهل السنة والجماعة): «ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان» ا.هـ.


قال شارحها الشيخ علي بن أبي العز الحنفي رحمه الله([3]): «يشير الشيخ – رحمه الله – إلى الرد على الروافض والنواصب، وقد أثنى الله تعالى على الصحابة هو ورسوله، ورضي عنهم، ووعدهم الحسنى، كما قال تعالى: ]وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[[التوبة: 100]. وقال تعالى: ]مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا[[الفتح: 29]، إلى آخر السورة، وقال تعالى:]لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ[ [الفتح: 18]. وقال تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ[ [الأنفال: 72]، إلى آخر السورة. وقال تعالى ]لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[[الحديد: 10]، وقال تعالى: ]لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ {8} وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {9}‏ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ[[الحشر: 8-10]، وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم، يستغفرون لهم، ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم، وتتضمن أن هؤلاء هم المستحقون للفيء، فمن كان في قلبه غل للذين آمنوا ولم يستغفر لهم لا يستحق في الفيء نصيبًا، بنص القرآن، وفي الصحيحين([4]) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»، انفرد مسلم بذكر سب خالد لعبد الرحمن، دون البخاري، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لخالد ونحوه: «لا تسبوا أصحابي»، يعني عبد الرحمن وأمثاله، لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة، ومنهم خالد ابن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء، منهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية، والمقصود أنه نهى من له صحبة آخرًا أن يسب من له صحبة أولًا، لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة فكيف حال من ليس من الصحابة بحال من الصحابة؟! رضي الله عنهم أجمعين.



والسابقون الأولون – من المهاجرين والأنصار – هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وفي صحيح مسلم عن جابر، قال: قيل لعائشة رضي الله عنها: إن ناسًا يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر! فقالت: وما تعجبون من هذا! انقطع عنهم العمل، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر، وروى ابن بطة بإسناد صحيح، عن ابن عباس، أنه قال: لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم، خير من عمل أحدكم أربعين سنة، وفي رواية وكيع: خير من عبادة أحدكم عمره، وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين وغيره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»([5]).قال عمران: فلا أدري: أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، الحديث، وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»([6])، وقال تعالى: ]لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ[[التوبة: 117] الآيات، ولقد صدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في وصفهم، حيث قال: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيء، وفي رواية: وقد رأى أصحاب محمد جميعًا أن يستخلفوا أبا بكر فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين، وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين؟ بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد!! لم يستثنوا منهم إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة.



وقوله: «ولا نفرط في حب أحد منهم»، أي لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم، كما تفعل الشيعة، فنكون من المعتدين، قال تعالى:]يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ[ [النساء: 171].


وقوله: «ولا نتبرأ من أحد منهم»، كما فعلت الرافضة! فعندهم لا ولاء إلا ببراء، أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما!! وأهل السنة يوالونهم كلهم، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها، بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعصب، فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد، كما قال تعالى:]فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ[ [الجاثية: 17]، وهذا معنى قول من قال من السلف: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، يُروى ذلك عن جماعة من السلف، من الصحابة والتابعين، منهم: أبو سعيد الخدري، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وغيرهم، ومعنى الشهادة: أن يشهد على معين من المسلمين أنه من أهل النار، أو أنه كافر، بدون العلم بما ختم الله له به.



وقوله: وحبهم دين وإيمان وإحسان؛ لأنه امتثال لأمر الله فيما تقدم من النصوص، وروى الترمذي عن عبد الله بن مغفل، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي([7]فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه»([8]) ا.هـ.

([1]) قال الحافظ ابن القيم – في كتاب إعلام الموقعين (1/31) في سياق ذكر أصول الإمام أحد التي بنى عليها مذهبه -: «الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته تهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه، والعمل به؛ بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماعًا على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس، وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقة على هذا الأصل من حيث الجملة فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس» ا.هـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (18/23 و25): «وأما قسمة الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف فهذا أول من عرف أنه قسمه هذه القسمة أبو عيسى الترمذي، ولم تعرف هذه القسمة عن أحدٍ قبله، وقد بين أبو عيسى مراده بذلك. فذكر: أن الحسن قد تعددت طرقه ولم يكن فيهم متهم بالكذب ولم يكن شاذًا وهو دون الصحيح الذي عرفت عدالة ناقليه وضبطهم... وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف، والضعيف عندهم نوعان: ضعيف ضعفًا لا يمتنع العمل به وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي. وضعيف ضعفًا يوجب تركه وهو الواهي وهذا بمنزلة مرض المريض قد يكون قاطعًا بصاحبه فيجعل التبرع من الثلث، وقد لا يكون قاطعًا بصاحبه وهذا موجود في كلام الإمام أحمد وغيره؛ ولهذا يقولون: هذا فيه لين، فيه ضعف، وهذا عندهم موجود في الحديث» ا.هـ.
وقال العلامة التعانوي في كتابه قواعد في علوم الحديث (ص: 99-100): «قال الحافظ ابن تيمية: إثبات الحسن اصطلاح الترمذي وغير الترمذي من أهل الحديث ليس عندهم إلا صحيح وضعيف، والضعيف عندهم ما انحط عن درجة الصحيح، ثم قد يكون متروكًا وهو أن يكون متهمًا بالكذب أو كثير الغلط، وقد يكون حسنًا بأن لا يتهم بالكذب، وهذا معنى قول أحمد: والعمل بالضعيف أولى من القياس» ا.هـ.
فالمشهور أن أول من عرف الحديث الحسن وشهره هو الإمام أبو عيسى الترمذي – رحمه الله – وتعريفه له ينطبق على الحسن لغيره، قال رحمه الله في العلل الصغير له الذي ختم به جامعه: «وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، وُيروى من غير وجه» ا.هـ. انظر: العلل في آخر جامع الترمذي (5/758).

([2]) رواه النسائي في السنن (2528)، وصححه ابن خزيمة (2443)، وابن حبان (838 موارد)، والحاكم (1519) من حديث أبي هريرة. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ا.هـ.

([3]) شرح الطحاوية (1/467).

([4]) أخرجه البخاري (3673)، ومسلم (2540).

([5]) أخرجه البخاري (6429)، ومسلم (2533).

([6]) ينظر البخاري (4155)، ومسلم (1857).

([7]) الغرض: الهدف، أي: لا تجعلوهم هدفًا ومرمى ترمونهم بأقوالكم وطعنكم وسبابكم.

([8]) أخرجه أحمد في المسند (20549) وفي فضائل الصحابة (3)، والترمذي (3862)، وابن أبي عاصم في السنة (992)، والروياني في مسنده (882) والبيهقي في الاعتقاد (ص: 207)، والبغوي في شرح السنة (3860)، وصححه ابن حبان (7256)، وحسنه الترمذي، وضعفه غيرهما.




توقيع : seifellah


ولدتك أمـك بـاكيـاً مسـتصرخا *** والنـاس حولـك يضحـكـون سـرورا
فاحرص لنفسـك أن تكون اذا بكوا *** في يوم موتك ضاحكاً مسـروراً

رد مع إقتباس