تذكرنــي
التسجيل التعليمات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

أدخل بريدك الإلكتروني هنا  ليصلك جديدنا

اسلاميات ، مذكرات تخرج ، مذكرات تعليمية ، برامج اسلامية ، برامج عامة ، التحضير للبكلورياء ،شهادة التعليم المتوسط،شهادة التعليم الابتدائي ، التوظيف المختلف جميع الاختصاصات 

للتسجيل اضغط هـنـا

Custom Search

ماشاء الله تبارك الله ماشاء الله لاقوة الا بالله




الملاحظات

اضافة رد

 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية العقيد
العقيد
المشرف الرئيسي
العقيد غير متواجد حالياً
 
رقم العضوية : 10
تاريخ التسجيل : Nov 2009
مكان الإقامة : الجزائر
عدد المشاركات : 16,073
عدد النقاط : 274
قوة التقييم : العقيد is a jewel in the roughالعقيد is a jewel in the roughالعقيد is a jewel in the rough
Post ..الإنسان والجاهلية ... ماذا تعني الجاهلية؟

كُتب : [ 16-04-2010 - 14:23 ]


انا : العقيد



الإنسان والجاهلية



--------------------------------------------------------------------------------

ماذا تعني الجاهلية؟

1 ـ أطلق الإسلام اسم الجاهلية على حياة العرب الوثنية التي كانت قائمة قبل انبثاق دعوته المباركة ، كتشخيص إسلامي لهذه الفترة التاريخية المظلمة التي غابت فيها المعالم الأيمانية ، وتجسدت فيها مظاهر الحضارة والحياة الضالة المنحرفة عن منهج الدين ، واسلوب تنظيمه للحياة . . فصارت هذه المرحلة التاريخية المليئة بالفوضى ، والفساد ، والانحطاط العقائدي والاجتماعي ، تحمل اسم الجاهلية ، وتندرج تحت عنوانها .
2 ـ والإسلام حينما أطلق مصطلح الجاهلية على حياة العرب قبل أن تهبط إلى أرضها كلمة الله ، ورسالة الإخلاص ، ودعوة التغيير والبناء الإنساني الجديد ، انما أطلقه ليشخص طبيعة هذه المرحلة الحضارية والعقائدية . . وليضعها في صف أخواتها من جاهليات الأمم والشعوب ، باعتبارها احدى مصاديق الجاهلية الأممية التي ظهرت في مختلف أدوار تاريخ البشرية ، وفي شتى مراحل حياتها .
3 ـ واذن فالإسلام حينما أطلق هذا المصطلح على تلك الفترة التاريخية البائسة من حياة العرب ، لم يطلقه كمصطلح توقيفي يخص هذه الفترة بذاتها ، بل أطلقه عليها لايمانه بأنها تمثل احدى مفردات التاريخ الجاهلي،وتشكل صورة تامة لمجمل أبعاد الحياة الجاهلية المظلمة.
4 ـ كما انه ـ أي الإسلام ـ لم يطلق هذا المصطلح على حياة العرب قبل ميلاد دعوته نتيجة لجهلهم بالعلوم والمعارف . . فهو لم يسمهم جاهليين لانهم كانوا أميين لا يعرفون القراءة والكتابة . . ولا لانهم كانوا أمة متخلفة في العلوم ، والمعارف ، والمدنية .
5 ـ بل سماهم جاهليين لصدق انطباق المفهوم الجاهلي في عرف الإسلام عليهم ، لذلك حكى القرآن عن أمم تمتعت بأسباب العلم والمدنية ، وامتلكت وسائل التطور والرفاه الاقتصادي والاجتماعي ، فوصفها بالضلال ، والتيه ، والانحراف ، كما وصف أمة العرب . . بالضلال ، والتيه ، والضياع وهي تغط في ظلام الجهل والتخلف .
6 ـ فساوى القرآن بينهما بالوصف والطبيعة . . فكانوا جميعاً «جاهليين» في عرف القرآن ومفهومه ، ونستشف هذا المعنى واضحاً في مقارنة القرآن الكريم لحالة العرب المتخلفة بالاوضاع الحضارية والمدنية لامم خلت قبلهم ، كانت تتمتع بالتفوق العلمي والمدني .
7 ـ قال تعالىأفَلَمْ يَسيرُوا في الأرض فَيَنظُرُوا كَيفَ كَان عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ كانُوا أكثرَ مِنهُمْ،وَأشَدَّ قُّوةً ، وَآثاراً في الأرض،فَما أغنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ. فَلمَّا جَاءتْهُم رُسُلُهُم بالبَيَّناتِ فَرِحُوا بِما عِندَهُم مِنَ العِلِم وَحَاقَ بِهِم ما كانُوا بِهِ يَستَهزِئونَ) .(غافر/ 82 ـ 83)
(أوَلَمْ يَسيرُوا في الأرض فَيَنْظُرُوا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم ، كَانُوا أشدَّ مِنهُمْ قُوةً ، وَأثارُوا الأرض ، وَعَمرُوهَا أكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها ، وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبَيّناتِ ، فَما كانَ اللهُ لِيَظلِمَهُمْ ، وَلكِن كانُوا أَنفُسَهُمُ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ كانَ عاقِبةَ الَّذينَ أسَاؤوا السُّوأَى أن كذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَستَهْزئون) .(الروم/ 9 ـ 10)
(وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُم مِن قَرْن هُمْ أَحسَنُ أَثاثاً وَرِئْياً ، قُلُ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدَّاً حَتَّى إِذا رَأَوا ما يُوعَدُونَ ، إَمَّا العَذَابَ ، وإمَّا السَّاعَةَ ، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً) .(مريم/ 74 ـ 75)
وهكذا يكشف القرآن عن العمق والمحتوى متجاوزاً الظاهر ، وما يطفو على سطح الحياة من ظواهر وآثار مدنية وعلمية ، ليؤكد ان تطور الإنسان العلمي ، ورقيه المدني ليس بامكانه ان ينقذ الإنسان من براثن الضلالة والانحراف ، وليس بوسعه أن يخرجه من مجموعة الأمم الجاهلية ، ما زال ينطوي على ذات المحتوى الجاهلي ، ويجسد نفس السلوك الشاذ .
فهذه الأمم الضالة على الرغم من تناثرها على طول مسيرة التاريخ فانها جميعاً ينتظمها خط حضاري واحد،وتلازمها حالة فكرية ونفسية واحدة،تجمع بينها،وتوّحد مسيرتها الضالة المنحرفة،رغم فواصل الزمن،وبعد المكان،واختلاف المستوى العلمي والمدني ، قال تعالى:
(وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَو تَأْتِيَنَا آيةٌ كَذلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَولِهمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ، قَدْ بَيَّنَّا الآياتِ لِقَوْم يُوِقنُونَ) .(البقرة/ 118)
فهذا التشابه الذي كشف عنه القرآن بين قلوب الأمم والشعوب الضالة ـ أو وحدة الاتجاه الفكري والنفسي بينها ـ هو الخط الجامع الذي ينظم كل مظاهر الحياة الجاهلية ، وهو المركز الذي تنطلق منه كل نشاطات الإنسان الجاهلي .
وهو الحقيقة الذاتية التي تحدد لهذه الشعوب هويتها ، وشخصيتها الجاهلية ، بشكل يسحب هذا الوصف على كل مراحل التاريخ الإنساني الذي اختطت أجياله منهج الضلال والانحراف . . رافضة منهج الحق ، والنور والسلام . . منهج الله ، وشريعة الرب ، ورسالة الخلاص.
وبمتابعتنا واستقرائنا لما ورد من تشخيص ، ووصف للحياة الجاهلية في عبارات ، ونصوص اسلامية كثيرة ، نستطيع أن نشخص معنى هذا المصطلح ، وسبب استعمال الإسلام له ، كما نستطيع أن نربط بين هذا الانطباق الاصطلاحي على حياة العرب قبل الإسلام ، وبين انطباقه على حياة الأمم والشعوب الاخرى المماثلة على امتداد تاريخ البشرية ، وتتابع أجيالها ، بمجرد أن نستشف تجربة التاريخ الجاهلي .
ونتابع ترابط حلقاته ، ووحدة الخط والاتجاه الذي ينتظم مظاهر الحياة الجاهلية ، من خلال آثارها ، ومخلفات حياتها ، وعرض القرآن لها ، وحديثه عن أبرز مظاهرها ، ومحاور التفكير ، والاتجاه النفسي والسلوكي فيها .
فاذا فعلنا ذلك وجدنا الجاهلية بحقيقتها ، وجوهر تركيبها كما صورها المفهوم الإسلامي تعني: (الضلال ، والتيه ، والانحراف عن منهج الله ، والتنكر لعبادته) ، لان الجاهلية في عرف الإسلام ، دين ومنهج حياة ، يتمحور على خط معاكس لخط الإسلام في الطبيعة والغاية ، ويسير بمسار الضلال والانحراف عن منهج الدين الحق ، وشريعة الله الهادية للانسان .
فالجاهلية طريقة حياة لها عقيدتها ومنهج تفكيرها . . ولها نظامها وصيغة حياتها المميزة لمجتمعها ـ بكل ما فيه ـ من أخلاق ، وعبادات ، ومفاهيم ، ونظرة للحياة ، وطريقة لصنع الحضارة وتوجيه للنشاط البشري . . من ثقافة ، وفن ، وأدب ، وقوى مادية . .الخ .
8 ـ ولكي نزيح الستار عن وجه الجاهلية البشع ونكتشف الخيط الذي يجمع بين جاهليات الأمم ، فلننصت للقرآن الكريم ، وهو يتحدث عن الجاهلية ، ويصف أهلها ، ويشخص أبعاد الحياة وسمة الحضارة والمعتقد ، والنظام فيها ، ويكشف عن الإطار الجامع لها ، والقاعدة الأساسية لبنيتها فيقول:
(وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الُمجرِمُونَ).(الشعراء/ 99)
(وَقَدْ أَضَلوُّا كَثيراً ، وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلاَّ ضَلالاً) .(نوح/ 24)
(فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبوا لَكَ فَاعْلَمْ أنَّما يَتَّبعُونَ أَهواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمنْ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيِر هُدىً مِن اللهِ ، إِنَّ اللهَ لا يِهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) . (القصص/ 50)
(فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ. وَمَن مَعَهْ في الْفُلْكِ . .) . (يونس/ 73)
(ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهمْ فَجَاؤوهُم بالبَيِّناتِ ، فَمَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ ، كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبَ الْمعْتَدِينَ) . (يونس/ 74)
(ثُمَّ بَعَثْنَا مَن بَعدَهِم مُوسَى وَهَارُونَ إِلِى فِرْعَوْن َ وَمَلَئِهِ بِآياتِنَا فَأسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجرِمِينَ) .(يونس/ 75)
(فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرّيَةٌ مِن قَومِهِ عَلَى خَوْف مِن فِرْعَوْنَ وَمَلئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَونَ لَعَال في الأرض وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمسْرِفيِنَ) . (يونس/ 83)
(قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَة وَمَا نَحْنُ بِتَاركي آلِهَتَنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ).(هود/ 53)
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ في شَكّ مِن دِيِني فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ . .).(يونس/ 104)
(وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى في الأرض لِيُفْسِدَ فيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ) .(البقرة/205)
( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا.. ).( البقرة / 212)
(وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَراءَنَا فَأَضلُّوناَ السَّبِيَلا) .(الاحزاب/ 67)
وهكذا يشخص لنا القرآن الكريم بنصوصه ومفاهيمه العناصر المشتركة ، والخصائص العامة للجاهلية ، فيرسم لنا صور الحياة ، والتفكير ، والأهداف فيها .
9 ـ واذا شئنا مزيداً من الوضوح والتشخيص لهذه الوضعية الحضارية المنهارة فلننتقل إلى نهج البلاغة ولنتأمل في خطب الإمام علي (عليه السلام) وهو يستعرض بنية الجاهلية ، ويحلل صيغة الحياة والمعتقد فيها .لنعرف عن طريق هذا العرض التحليلي مجموع الخصائص والصفات العامة لهذه البنية الضالة المنحرفة .
قال عليه السلام:
(( ان الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) نذيراً للعالمين ، وأميناً على التنزيل ، وأنتم معشر العرب على شر دين ، وفي شر دار ، منيخون بين حجارة خشن ، وحيّات صم ، تشربون الكدر ، وتأكلون الجشب ، وتسفكون دماءكم ، وتقطعون أرحامكم ، الاصنام فيكم منصوبة ، والآثام بكم معصوبة))(1) .
ثم تحدث (عليه السلام) عن الأوضاع والأحوال التي سبقت البعثة النبوية الشريفة فقال: ((والناس في فتن انجذم فيها حبل الدين ، وتزعزعت سواري اليقين ، واختلف النجر ، وتشتت الامر ، وضاق المخرج ، وعمي المصدر . . فالهدى خامل ، والعمى شامل . . . عصي الرحمن ، ونصر الشيطان ، وخذل الأيمان ، فانهارت دعائمه ، وتنكرت معالمه ، ودرست سبله ، وعفت شركه . . أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه ، ووردوا مناهله . . بهم سارت اعلامه ، وقام لواؤه ، في فتن داستهم باخفافها ، ووطئتهم بأظلافها ، وقامت على سنابكها . . فهم فيها تائهون ، حائرون ، جاهلون ، مفتونون ، في خير دار(2) ، وشر جيران ، نومهم سهود ، وكحلهم دموع ، بأرض عالمها ملجم ، وجاهلها مكرم))(3) .
ثم تحدث (عليه السلام) في موضع آخر فقال:
(( بعثه والناس ضلال في حيرة ، وحاطبون في فتنة ، قد استهوتهم الاهواء ، واستزلّتهم الكبرياء ، واستخفّتهم الجاهلية والجهلاء . . حيارى في زلزال من الامر ، وبلاء من الجهل ، فبالغ (صلى الله عليه وآله وسلم) في النصيحة ، ومضى على الطريقة ، ودعا الى الحكمة والموعظة الحسنة))(4) .
((واشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ابتعثه والناس يضربون في غمرة ، ويموجون في حيرة ، قد قادتهم أزمة الحين ، واستغلقت على أفئدتهم أقفال الرين))(5) .
وفي موضع آخر من خطبه وأحاديثه نقرأ تشخيصاً آخر لطبيعة الإنسان الجاهلي ، وتكوينه النفسي والاخلاقي ، وهو يلقي الضوء ساطعاً على طبيعة هذا الإنسان في كل عصر ومرحلة ، ويجعل من هذه الاعراض المرضية صفة مميزة للانسان ، والمجتمع الجاهلي .
فقد تحدث عليه السلام عن الشر والضلال ، ودعوة الشيطان ، وأبانَ أن أتباع هذه الدعوة لا يكونون إلاّ جاهليين(وصدقه به اتباع الحمية ، واخوان العصبية ، وفرسان الكبر والجاهلية . . .))(6) .
وفي حديث آخر عن الجاهلية نقرأ تشخيصاً لهذه الوضعية الاجتماعية المضطربة ، ونكتشف بعداً جديداً في تركيبها ، وتكوين بنيتها، قال (عليه السلام):
((فالاحوال مضطربة ، والايدي مختلفة ، والكثرة متفرقة . . في بلاء أزل ، وأطباق جهل من بنات موؤودة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة))(7) .
ولم يكتف الإمام علي (عليه السلام) بالحديث عن الجاهلية وتحليل بنيتها ، وكشف مضامين الحضارة ، والحياة فيها ، بل راح يحذر من التأثّير برواسب هذه الجاهليات ، والارتداد نحوها ، والارتكاس في أوحالها فقال:
(( ولا تكونوا كجفاة الجاهلية لا في الدين يتفقهون ، ولا عن الله يعقلون ، كقيض بيض في أداح يكون كسرها وزراً ، ويخرج حضانها شراً))(8).
وبالتأمل في هذه النصوص والتشخيصات الإسلامية ـ من آيات وخطب ـ وتحليل أفكارها ، نستطيع أن نستقرئ أهم ملامح المجتمع الجاهلي ، ونشخص أظهر سمات الحياة فيه ونتعرف على أبرز العناصر المشتركة بين جاهليات الأمم . فهذه النصوص جميعها تصف المجتمع الجاهلي بالمجتمع الضال المنحرف الذي لا يهتدي بمعالم الدين ، ولا يستضيء بأنوار منهجه ، ولا يلتزم بمبادئ شريعته ، وتؤكد بعد ذلك على الظواهر ، والسمات المشتركة بين كل جاهليات الأمم في الموقف من الرسالات الإلهية ، وفي السلوك ، والوضع النفسي لهذه الجاهليات .
فهي جميعاً تقف موقف الرفض والتشكيك من رسالات الانبياء ، وتصر على الكفر ، والضلال ، واتباع الهوى . .
وكنتيجة حتمية لهذا الرفض ، اتجه الإنسان الرافض اتجاهاً مادياً بهيمياً ، تغلب عليه الشهوة ، وتقوده الملذات ، بعد ان قطع علاقته بالله ، وأخلد إلى الأرض فألّه عالم التراب ، وعبد نوازع النفس .
وكان طبيعياً ان تكون هذه الحياة الجاهلية المادية حياة موبوءة بالفساد والجريمة ، والعبث . .
وقد مر علينا وصف القرآن لهذه الجاهليات ، وعرضه لابرز أمراضها ، وظواهر التفسخ والانحلال فيها ، فسجل عليها أبرز ظواهرها المرضية:
(الظلم ، الجريمة ، التكبر ، الاسراف ، التعالي ، الانحراف ، الشك ، الفساد والتخريب في الأرض ، سفك الدماء ، السخرية من الحق ، التبعية العمياء لقادة الضلال والفساد ، اتباع الشهوات والاهواء . .) .
وكنا بعد هذا العرض القرآني قد قرأنا في خطاب الإمام علي (عليه السلام) تشخصيه لابرز مظاهر الحياة الجاهلية ، فوجدناه يؤكد على ما أكد عليه القرآن من مظاهر السقوط ، والانحلال ، والتدهور العقائدي ، والسلوكي فيها ، ويشير إلى: (سفك الدماء ، الكفر بالله ، التنكر لرسالات الانبياء ، الجهل بالدين ، تزعزع سواري اليقين ، التيه والحيرة ، الكبرياء ، الحقد والعصبية ، انتصار الشهوة والهوى . . .) .
وبهذا التحليل الإسلامي الذي قرأناه في نصوص القرآن وخطب الإمام(عليه السلام) نعرف ان المجتمع الجاهلي هو ذلك المجتمع الذي يرفض الأيمان بالله ، وينحرف بسلوكه ، ونظام حياته عن منهج الله ، بغض النظر عن كونه مجتمعاً أمياً كمجتمع الرعي والبداوة العربية ، أو كونه مجتمعاً يعيش في عصر الذرة ، والعقل الالكتروني ، وغزو الفضاء . .
فالجاهلية وضعية حضارية متقومة بعناصرها الفكرية ، والنفسية ، والسلوكية ، ولا علاقة لها بدرجة العلم والمعرفة التي يعيشها الإنسان ، فهي كما وصفها الإمام علي (عليه السلام) ( شر دين ، وشر دار) .
وحيثما وجدت هذه الصفة ، صفة الشر والفساد ، في العقيدة ، والنظام ، واسلوب الحياة ، استطعنا أن نطلق على الإنسان المرتكس في ضلالها اسم (الجاهلي) ، وأن نصف الحياة الإنسانية المتمرغة في أوحالها بأنها حياة جاهلية ، لذلك فان القرآن الكريم راح يطلق على الإنسان الجاهلي عندما يتحدث عنه ، أو يصفه في أي عصر من عصور الحياة البشرية ، وفي أي مرحلة من مراحل وجودها ، وعلى طول امتداد خط الدعوات الإلهية ، وصراعها مع الجاهليات التاريخية المختلفة .
يطلق على هذا الإنسان المنحرف اسم (الضال) ، ويسمي هؤلاء المنحرفين (الضالين) .
والضال هو التائه الذي يجهل الطريق ، ويتخبط بعيداً عن الحق والهدى ، سواء في تفكيره ، ومعتقده ، أو في تعبده ، ونظام حياته ، واسلوب تعامله . . ولذلك أيضاً نلاحظ الاستعمال المتكرر لكلمة (حيارى) في خطب الإمام علي(عليه السلام) ، وهو يصف المجتمع والحياة الجاهلية . . لان الحيرة ، والقلق ، والضياع ، والاضطراب ، هي من أبرز الظواهر المرضية التي يعانيها الإنسان الجاهلي بسبب التيه ، والضلال عن منهج الله ، وشريعته . قال(عليه السلام):
((بعثه والناس ضلال في حيرة)) .
((فهم فيها تائهون حائرون)) .
((ابتعثه والناس يضربون في غمرة ، ويموجون في حيرة)) .
((فالاحوال مضطربة ، والايدي مختلفة . .)) .
وهكذا يكون التيه والحيرة والضلال والانحراف هي الخصائص الاساسية المميزة للمجتمع الجاهلي المرتكس في أوحال الجريمة والعبث والظلم والفساد والشهوات . .
وما جاء وصف الإسلام للانسان الجاهلي بأنه ضال ، وتائه ، وحائر ، ومضطرب إلاّ لانّ هذا الإنسان يعاني من حالة فكرية ونفسية مضطربة ، ومريضة ، تنسحب آثارها وأعراضها على كل مظاهر الحياة والسلوك التي يحياها هذا الإنسان .
وهكذا يجد الإنسان نفسه ـ في كل عصر ومرحلة ـ أمام طريقتين في الحياة ، وأسلوبين للعيش فيها ، ومنهجين للتعامل معها . . منهج الهدى ، والأيمان ، ومنهج الجاهلية والضلال .
وقد جاء النص القرآني مصدقاً لهذه الحقيقة وشاهداً عليها ، قال تعالى:
(أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْم يُوِقنُونَ) . (المائدة/ 50)
قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) موضحاً وشارحاً لهذا البيان القرآني:
((الحكم حكمان؛ حكم الله عز وجل ، وحكم أهل الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم لجاهلية)) .
ولكي يضع القرآن بين يدي الإنسان رؤية واضحة ، وتشخيصاً كاملاً عن هذه الاهداف ، يشخص له هذه الغايات بقوله:
(وَكَذَلِكَ أَوْحينَآ إِلَيْكْ رُوحاً مِنْ أَمِرنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ ، وَلاَ الأيمان وَلَكنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنَ نشاَءُ مِنْ عِبَادِنَا . .) . (الشورى/ 52)
(..وَنَزَّلْنَا عَلَيك الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِ شَيء ، وَهُدى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسلِمِينَ).(النحل/89)
ولذلك أيضاً وصف القرآن المؤمنين الذين ساروا بطريق الأيمان ، وعرفوا منهج الحق بأنهم مهتدون ، ينعمون بالامن والسلام ، فقال:
(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْم أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتُدونَ) . (الانعام/ 82)
ذلك لأنهم آمنوا بالله ، وبالنور الذي جاء من عنده ، وساروا على طريق الاستقامة ، ولم يلبسوا هذا الأيمان ، ولم يغطوه ، ولم يخالطوه بشيء من الظلم ، أو الانحراف عن منهج الله ، وشريعته .
بل التزموا بكل ما شرع الله لهم من أحكام ، وقوانين ، وأوامر ، وتعاليم . .
فكانوا مهتدين ، وكانوا آمنين . . سعداء مستقرين في الدنيا ، والآخرة .
وعلى العكس منهم أولئك الذين قادوا أنفسهم الى محنة الضلال ، والتيه ، والانحراف . . الذين أعرضوا عن ذكر الله، فأحالوا الحياة جحيماً ، والعيش عذاباً . . أولئك الذين وصف القرآن حياتهم ، وانبأ عن مصيرهم فقال:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكاً ، وَنَحْشُرُهُ يُوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَى قَالَ رَبَ لِمَ حَشَرْتِني أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَها ، وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى).(طه/ 124 ـ 126)
فكانوا بهذا الاعراض ، والرفض ، والتمرد على إرادة الحق ضلالا ومنحرفين، يتخطبون في ظلمات الجاهلية ، والتيه ، والضلال؛ قال تعالى:
( . . . وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً) .(الاحزاب/ 36)
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيِه مِن بِعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) .(الجاثية/ 23)
فتلك هي حقيقة الجاهلية ، ضلال وانحراف عن دين الله ، ورفض لمنهجه ، وعصيان لرسله ، وعبادة للشهوات والمغريات، وخضوع للطواغيت ، والجبابرة من البشر .
وأخيراً فان محاولة التتبع لمفردات الحياة الجاهلية وتحليلها، والربط بين العينات والآثار المتشابهة فيها تجعلنا نستنتج:
(ان الجاهلية مرض حضاري ، وحالة فكرية ونفسية تعتري الافراد والشعوب والأمم في كل عصر وجيل ، وان مظاهر الحياة الجاهلية متشابهة تماماً رغم فواصل الزمان والمكان) .
قال تعالى: (في قلُوِبِهم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً . . .) .(البقرة/ 10)
(وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِمُنَا اللهُ أَو ْتَأِتْيَنا آيَةٌ كَذَلِك قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهمْ تَشَابَهَتْ قلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْم يُوقِنُونَ) .(البقرة/ 118)
والدليل على هذا التشابه ، هو تاريخ البشرية الطويل ، وتعاقب الاجيال والأمم ، وبروز أعراض الحياة الجاهلية في كثير من الاجيال والشعوب . . ففي كل فترة من فترات التاريخ جاهلية وانحراف عن منهج الحق ، ودعوة هدى ، وأنبياء . . .
فها نحن نشاهد على صفحات التاريخ ، ونواجه على مسرح الحياة ، مشاهد قائمة من حياة البشرية الماضية والمعاصرة . . فنرى الكفر والإلحاد ، والظلم ، والطغيان ، والإرهاب ، وسفك الدماء، وضياع الحق ، واضطهاد الضعفاء ، واستغلال الفقراء ، وانتشار الرذيلة . .
وتلك هي انعكاسات التيار الجاهلي على الحياة البشرية ، هذا التيار الذي يمثل الضلال ، والانحراف عن منهج الحق ، والعدل ، والأيمان . .وهكذا: فان الضلال ، والحيرة والانحراف عن الطريقة الأيمانية هي أبرز سمات الجاهلية ، وأظهر خصائصها التي ما برح الإنسان يعاني من أزماتها ، ويقاسي آلامها .

عن مطبوعات للبلاغة

توقيع : العقيد

رد مع إقتباس

اضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
ماذا, والجاهلية, الإنسان, الجاهلية؟, تعني


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ماذا تعني لك باقة ورد؟؟ كبرياء أنثى قسم الحوارات والنقاشات الجادة 2 08-09-2010 12:46
كلمات كانت بالامس تعني شيئاً .. واليوم تعني شيئاً آخراً ؟ .. الاميرة خلود قسم حواء 0 15-05-2010 19:05
ماذا تعني لك ؟ صوت القصيد قسم الخواطر 3 11-05-2010 21:43
هل سألت نفسك يوماً ماذا تعني الوان علم بلادك ؟ العقيد القسم العام 2 05-02-2010 22:29
مسائل الجاهلية | mr samo العقيد مكتبة المعرفة الشاملة 2 11-01-2010 17:29

toolbar powered by Conduit

أدخل بريدك الإلكتروني هنا  ليصلك جديدنا

اسلاميات ، مذكرات تخرج ، مذكرات تعليمية ، برامج اسلامية ، برامج عامة ، التحضير للبكلورياء ،شهادة التعليم المتوسط،شهادة التعليم الابتدائي ، التوظيف المختلف جميع الاختصاصات 

Delivered by FeedBurner

Preview on Feedage: %D9%85%D9%86%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%A9 Add to My Yahoo! Add to Google! Add to AOL! Add to MSN
Subscribe in NewsGator Online Add to Netvibes Subscribe in Pakeflakes Subscribe in Bloglines Add to Alesti RSS Reader
Add to Feedage.com Groups Add to Windows Live iPing-it Add to Feedage RSS Alerts Add To Fwicki
Add to Spoken to You

جميع الأوقات بتوقيت GMT +1. الساعة الآن 21:29.